أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

107

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

فأما أهل المحبة وهم أهل الولاية والعرفان من أهل الشهود والعيان ، فهم يستدلون بالنور على وجود الستور ، فلا يرون إلا النور وبالحق على وجود الخلق ، فلا يجدون إلا الحق وبقدرته على حكمته ، فوجدوا قدرته عين حكمته ، وحكمته عين قدرته ، فغابوا بشهود الحق عن رؤية الخلق ، إذ محال أن تشهده وتشهد معه سواه ، وأما أهل الخدمة من أهل الحكمة ، فهم يستدلون بظهور الستور على وجود النور ، وبالخلق على وجود الحق ، غابوا عنه في حال حضوره وحجبوا عنه بشدة ظهوره . قال بعض العارفين : أثبت اللّه تعالى للعامة المخلوق فأثبتوا به الخالق ، وأثبت للخاصة نفسه ، فأثبتوا به المخلوق انتهى . فشتان أي : فرق كبير بين من يستدل به على ظهور أثره ، وبين من يستدل بظهور أثره على وجوده ، لأن من يستدل به عرف الحق وهو الوجود الحقيقي لأهله أي لمن هو أهل له ويستحقه ، وهو اللّه الواجب الوجود الملك المعبود ، وأثبت الأمر وهو القدم للوجود الحقيقي من وجود أصله ، وهو الجبروت الأصلي القديم الأزلي ، يعني أن من عرف اللّه حتى صار عنده ضروريّا ، عرف الوجود إنما هو اللّه وانتفى عنه وجود ما سواه ، وأثبت القدم لأوله ومنتهاه ، أو تقول : عرف الحق وهو الوجود الأصلي لأهله وهو للّه تعالى . وأثبت الأمر وهو الوجود الفرعي من وجود أصله أي ألحقه بأصله ، فإذا التحق الفرع بالأصل ، صار الجميع جبروتيّا أصليّا ، ويحتمل أن يكون معناهما واحدا ، ويكون التقدير عرف الوجود الحقيقي لأهله ، وأثبت ذلك الأمر من أصله كقولك : عرفت هذا الحكم ، وأثبت به من أصله ، واللّه تعالى أعلم . وأما من يستدل عليه فلبعده عنه في حال قربه منه ولغيبته عنه في حال حضوره معه بعده الوهم ، وغيبه عدم الفهم ، وإلا فمتى غاب حتى يستدل عليه ، إذ هو أقرب إليك من حبل الوريد ، ومتى بعد حتى تكون الآثار الوهمية هي التي توصل إليه وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] ، إذ أثر القدرة هو عينها ، فالصفة لا تفارق الموصوف ، إذ لا